الشيخ الأميني

73

الغدير

أخافه مروان والأسود بن أبي البختري فظهر قيس إلى علي عليه السلام فكتب معاوية إلى مروان والأسود يتغيظ عليهما ويقول : أمددتما عليا بقيس بن سعد ورأيه ومكايدته ، فوالله لو أنكما أمددتماه بمأة ألف مقاتل ما كان ذلك بأغيظ إلي من إخراجكما قيس بن سعد إلى علي ( تاريخ الطبري 6 ص 53 ) وعالج معاوية قلوب أصحابه وأمنهم من ناحية قيس بافتعال كتاب عليه وقرائته على أهل الشام كما يأتي تفصيله . وكان قيس يرى نفسه في المكيدة والدهاء فوق الكل وأولى الجميع ويقول : لولا أني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : المكر والخديعة في النار . لكنت من أمكر هذه الأمة ( 1 ) ويقول : لولا الاسلام لمكرت مكرا لا تطيقه العرب ( 2 ) فشهرته بالدهاء مع تقيد المعروف بالدين ، وكلاءته حمى الشريعة ، والتزامه البالغ في إعمال الرأي بما يوافق رضى مولاه سبحانه ، وكفه نفسه عما يخالف ربه ، تثبت له الأولوية والتقدم والبروز بين دهاة العرب ، ولا يعادله من الدهاة الخمسة الشهيرة أحد إلا عبد الله بن بديل وذلك لاشتراكهما في المبدء ، والتزامهما بالدين الحنيف ، والكف عن الهوى ، والوقوف عند مضلات الفتن . وكلامه لمالك الأشتر ( مالك وما مالك ؟ ) ينم عن غزارة عقله ، وحسن تدبيره ، واستقامة رأيه ، وقوة إيمانه ، وهو من غرر الكلم ، ودرر الحكم ، رواه شيخ الطايفة في أماليه ص 86 في حديث طويل فقال : قال الأشتر لعلي عليه السلام : دعني يا أمير المؤمنين ؟ أوقع بهؤلاء الذين يتخلفون عنك . فقال له : كف عني . فانصرف الأشتر وهو مغضب ، ثم إن قيس بن سعد لقي مالكا في نفر من المهاجرين والأنصار فقال : يا مالك ؟ كلما ضاق صدرك بشئ أخرجته ، وكلما استبطأت أمرا استعجلته ، إن أدب الصبر : التسليم ، وأدب العجلة : الأناة ، وإن شر القول : ما ضاهى العيب ، وشر الرأي : ما ضاهى التهمة ، فإذا ابتليت فاسأل ، وإذا أمرت فأطع ، ولا تسأل قبل البلاء ، ولا تكلف قبل أن ينزل الأمر ، فإن في أنفسنا ما في نفسك ، فلا تشق على صاحبك .

--> ( 1 ) أسد الغابة 4 ص 215 ، تاريخ ابن كثير 8 ص 101 . ( 2 ) الدرجات الرفيعة ، الإصابة 3 ص 249 .